السيد محمد حسين الطهراني

23

معرفة الإمام

العلم على تلك الأصول لم يكن معهوداً في ذلك الزمن . وليت شِعري إن لم يعترف هذا الجاهل بأنّ علم أبي الحسن إلهاميّ يستقيه من المنبع الفيّاض ، فإنّه لا يجهل ما قاله النبيّ صلّى الله عليه وآله فيه : أنَا مَدِينَةُ العِلْمِ وَعَلِيّ بَابُهَا . ونسج على منوال أبي الحسن بنوه في هذا العلم ، فإنّهم ما زالوا يفيضون على الناس من علمهم الزاخر عن الوجود ولوازمه . وكيف يعبد الناس ربّاً لا يعرفونه ، ويطيعون نبيّاً يجهلونه ، ويتّبعون إماماً لا يفقهون مقامه ؟ ! فالمعرفة قبل كلّ علم وأفضل كلّ علم . يقول الصادق عليه السلام : أفْضَلُ العِبَادَةِ العِلْمُ بِاللهِ . « 1 » وليس للسمع في تلك القواعد والأصول مدخل ، لأنّ التقليد في العقليّات لا يصحّ عند أرباب العقول . أجل ، قد يجيء النقل دليلًا ، ولكنّه من الإرشاد إلى حكم العقل ، أو الإشارة إلى الفطرة كما في قوله تعالى : أفِي اللهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ . « 2 » وأمثاله من القرآن المجيد . فإنّ هذه الآية الكريمة لم تحملك على القول بالوجود حتماً ، بل لفتتك إليه من جهة الأثر ومشاهدته . فإذا جاء عن الرسول وعترته أدلّة على هذه الأصول فما كلامهم في هذا إلّا إرشاد إلى حكم العقل . فإنّهم ما زالوا يدلّون على العقل ويهدون إلى دلالته . وهذا الصادق نفسه يقول : العَقْلُ دَليلُ المؤمِنِ ؛ ويقول : دِعَامَةُ الإنْسَانِ العَقْلُ ؛ ويقول : لَا يُفْلِحُ مَنْ لَا يَعْقِلُ . ولو قرأتَ ما أملاه الكاظم عليه السلام على هشام بن الحكم في شأن العقل والعقلاء لعرفت كيف

--> ( 1 ) - « بحار الأنوار » ج 1 ، ص 215 . ( 2 ) - الآية 10 ، من السورة 14 : إبراهيم .